الأحد، 13 سبتمبر 2026

البرمجة فن



عندما بدأتُ البرمجة، كان يومي بأكمله يتمحور حول التطوير؛ أستيقظ، وأكتب الكود، ثم أخلد للنوم. هكذا كان حالي يوماً تلو الآخر. كانت دائرتي الاجتماعية بأكملها تتألف من أشخاص يمارسون البرمجة أيضاً، وكنت أدرس أطر العمل (frameworks) والمكتبات البرمجية ولغات برمجة متنوعة.
لقد دخلت مجال التطوير لأنني كنت مفتوناً بفكرة أنني أستطيع إنشاء برامج جديدة بمجرد كتابة الكود. كان كل ما علي فعله هو تعلم البرمجة لأتمكن من بناء أي شيء؛ فإذا تعلمت PHP، أمكنني بناء تطبيقات للجانب الخلفي (back-end)، وإذا تعلمت HTML وCSS، أمكنني بناء مواقع إلكترونية.
كان بإمكاني اختيار ما أريد إنشاءه، وتعلم التقنيات اللازمة لذلك، ثم البدء في البناء. تفتح بيئة التطوير المتكاملة (IDE)، وتنشئ مشروعاً جديداً، وتبنيه من الصفر. تختار الأنماط والمكتبات وأطر العمل، وتقرأ التوثيق الفني وتغوص في الكود المصدري. تندمج في العملية لدرجة أنك لا تشعر بمرور الأيام بسرعة. ومع مرور الوقت، تطور أسلوبك الخاص في البرمجة.
لقد كتبت الكود واستمتعت بذلك، لكنه لم يكن نوع العمل الذي أردت القيام به لبقية حياتي. كنت أفضل عملية "الابتكار" أو إنشاء شيء جديد على عملية كتابة الكود بحد ذاتها. أحببت البدء من الصفر -بمجرد فكرة- لإنشاء منتج يستخدمه الناس فعلياً؛ ولهذا السبب عملت حصرياً في الشركات الناشئة ولم أعمل قط في الشركات الكبرى.
لطالما حلمت بالتقدم في مساري المهني -لأصبح قائد فريق أو مديراً، أو أتولى دوراً لا يتضمن كتابة الكود. وكلما توفر شخص آخر لكتابة الكود، كنت أنتقل من البرمجة إلى المهام الإدارية. لم يكن يهمّني ما إذا كنت أكتب الكود بنفسي أو أوكله للآخرين.
ورغم أنني دخلت مجال التطوير بدافع الاهتمام بابتكار الأشياء، إلا أنني لاحقاً أصبحت أمارسه لمجرد الحصول على مقابل مادي؛ فقد كان الأمر بالنسبة لي مجرد وظيفة. وحتى عندما كنت أكتب الكود في وقت فراغي، كنت أستخدم ذلك النهج لبناء شركاتي الناشئة الخاصة التي خططت لجني المال منها. لقد كانت كتابة الكود وجني المال أمرين لا ينفصلان؛ ومع مرور الوقت، أصبح الدخل الناتج عن المشاريع هو المحور الأساسي، بدلاً من مجرد الرغبة في إنشاء المشاريع. ولكن هناك نوع آخر من الأشخاص؛ إنهم المبرمجون الحقيقيون الذين يكتبون الأكواد البرمجية بغض النظر عن العائد المادي. فهم يكتبون الكود لمجرد أنهم لا يستطيعون التوقف عن ذلك، ولا يكترثون لحجم المال الذي قد يجنونه منه؛ إذ قد يعملون على مشاريع مفتوحة المصدر لن تدرّ عليهم أي دخل على الإطلاق.
إنهم يستمتعون بكتابة الكود، وحل تحديات التطوير، والتصميم، واستنباط المنطق البرمجي، وإصلاح الأخطاء، وفهم النظام بأكمله؛ فهم يستمتعون بالعملية ذاتها، ولن يتنازلوا أبداً عن هذا الدور لصالح وكلاء الذكاء الاصطناعي.
أنا أحب تأسيس الشركات الناشئة، وهم يحبون كتابة الكود. بالنسبة لي، يُعد بناء المشاريع وسيلةً لكسب المال، أما بالنسبة لهم، فالبرمجة فنّ.
لهذا السبب، فإن كل ما أطرحه من حجج حول دور الذكاء الاصطناعي في مساعدتي على بناء المشاريع لا يعني شيئاً لهؤلاء الفنانين الحقيقيين؛ فهم ليسوا بحاجة إلى الذكاء الاصطناعي لمساعدتهم في أي شيء.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

القوائم المترابطة المتضمنة (Intrusive linked lists)

القوائم المتصلة المتداخلة (Intrusive linked lists) هي نوع من القوائم المتصلة التي تكون فيها روابط الربط مُضمَّنةً داخل البنية نفسها التي يجر...